أبو حامد الغزالي
257
تهافت الفلاسفة
ثم لا يزال يفعل ذلك ألف مرة ، فنحن في المرة الأخيرة ، نحكم بأن شيئا من الماء الأول باق ، وأنه ما من رطل يؤخذ منه ، إلا فيه شئ من ذلك الماء الأول ، لأنه كان موجودا في الكرة الثانية ، والثالثة مرتبة قريبة من الثانية ، والرابعة قريبة من الثالثة ، وهكذا إلى الأخير . وهذا على أصلهم ألزم ، حيث جوزوا انقسام الأجسام إلى غير نهاية ، فانصباب الغذاء في البدن ، وانحلال أجزاء البدن ، يضاهى صب الماء في هذا الإناء ، واغترافه منه . دليل عاشر قالوا : القوة العقلية تدرك الكليات العامة العقلية التي يسميها المتكلمون أحوالا ، فتدرك الإنسان المطلق ، عند مشاهدة الحس ، لشخص إنسان معين ، وهو « 1 » غير الشخص المشاهد ، فإن المشاهد في مكان مخصوص ، ولون مخصوص ، ومقدار مخصوص ، ووضع مخصوص ، والإنسان المعقول المطلق ، مجرد عن هذه الأمور بل يدخل فيه ، كلّ ما ينطبق عليه اسم الإنسان ، وإن لم يكن على لون المشاهد وقدره ووضعه ، ومكانه ، بل الذي يمكن وجوده في المستقبل يدخل فيه ، بل لو عدم الإنسان ، تبقى حقيقة الإنسان في العقل مجردة عن هذه الخواص ، وهكذا كل شئ شاهده الحس مشخصا ، فيحصل منه للعقل ، حقيقة ذلك الشخص كليا مجردا عن المواد والأوضاع حتى تنقسم أوصافه إلى ما هو ذاتي ، كالجسمية للشجر والحيوان ، والحيوانية للإنسان ، وإلى ما هو عرضى له ، كالبياض والطول للإنسان والشجر ، ويحكم بكونه « 2 » ذاتيا وعرضيا على جنس الإنسان والشجر وكل ما يدرك ، لا على الشخص المشاهد .
--> ( 1 ) يعنى الإنسان المطلق . ( 2 ) يعنى الجسمية والطول ، مثلا ، على التوزيع .